السوريون في الخيام… حين تصبح الكارثة نمطَ حياة

الصحفي : محمد رائد كعكة

منذ أكثر من عقد، ما يزال مئات آلاف السوريين يعيشون في مخيمات اللجوء في الشمال السوري، لا كمرحلة طارئة كما يُفترض، بل كقدرٍ دائم يتجدد مع كل شتاء. خيامٌ مهترئة، أرضٌ موحلة، وسيولٌ لا تفرّق بين طفلٍ نائم أو عجوزٍ عاجز. المطر هنا ليس نعمة، بل إنذار خطر. والثلج ليس جمالًا أبيض، بل سقفًا ينهار فوق رؤوس الفقراء.

الكارثة في الشمال السوري لم تعد طبيعية فقط، بل سياسية وأخلاقية بامتياز. فالمآسي التي تتكرر كل عام — من غرق الخيام، وانجراف التربة، وتجمّد الأطفال — لم تعد مفاجئة، ولم تعد استثنائية، بل باتت نتيجة مباشرة للإهمال المزمن، والتعامل مع معاناة الناس كخبرٍ موسمي لا أكثر.

حكومة تثبّت الحكم… وتنسى الناس

في الوقت الذي يكافح فيه سكان المخيمات للبقاء على قيد الحياة، تبدو الحكومة السورية منشغلة بأولويات أخرى: تثبيت وجودها في الحكم، ترميم صورتها السياسية، وعقد التحالفات، بينما يتراجع ملف النازحين إلى أسفل قائمة الاهتمامات، إن لم يكن خارجها تمامًا.

السؤال البسيط الذي يطرحه السوريون اليوم:

كيف يمكن لحكومة تدّعي السيادة أن تعجز عن تأمين مأوى آمن لمواطنيها؟

وكيف تُبرَّر السرعة في تأمين السيارات الفارهة والمخصصات الأمنية، مقابل البطء القاتل في إنقاذ أطفالٍ ينامون تحت قماشٍ لا يصدّ المطر؟

حلول موجودة… وإرادة غائبة

الحلول ليست معقّدة، وليست خيالية، وقد طُرحت مرارًا من سوريين يعرفون واقعهم أكثر من أي جهة رسمية. من أبسط هذه الحلول:

تأمين كرفانات قابلة للفك والتركيب بدل الخيام، تُخصص للنازحين الذين دُمّرت بيوتهم ولا يملكون القدرة على الاستئجار.

تركيب هذه المساكن المؤقتة على أراضٍ تملكها الدولة أو تُستأجر لهذا الغرض، وفي مناطقهم الأصلية ما أمكن، بدل إبقائهم في عزلٍ جغرافي واجتماعي.

تحقيق عدة أهداف في آن واحد:

إنهاء حالة النزوح الداخلي المزمن.

مساعدة النازح على استعادة حياة شبه طبيعية في بيئته، بانتظار إعادة الإعمار.

تفكيك هذه الكرفانات لاحقًا وتخزينها لاستخدامها كملاجئ طارئة عند أي كارثة مستقبلية.

إضافة إلى ذلك، فإن إطلاق مثل هذه المشاريع يعني تحريك عجلة الاقتصاد، وتشغيل اليد العاملة، بدل الاكتفاء بخطابات التعاطف الموسمية.

أسئلة لا تهدأ

ألا تستطيع الحكومة طلب منحة عاجلة من الدول “الصديقة” لتأمين هذه البيوت المؤقتة، كما فعلت في ملفات أقل إلحاحًا؟

ألا تستطيع إلزام أصحاب حملات التبرعات والوعود “الخيالية” بتنفيذ ما تعهّدوا به علنًا؟

وأخيرًا، ألا يحق للشعب السوري — الذي ثار يومًا على الطغيان — أن يثور اليوم على الخذلان؟

ربما لا يُطلب الكثير: فقط أن يعيش المسؤول، ولو ليوم واحد، في خيمةٍ تغرق بالمطر، ليُدرك أن ما يُؤجَّل هنا ليس مشروعًا إداريًا… بل حياة بشر.

خاتمة

سكان المخيمات لا يحتاجون إلى خطابات، ولا إلى صور تذكارية، ولا إلى لجانٍ بلا نتائج.

يحتاجون إلى قرار.

إلى سقف لا ينهار.

وإلى دولة تتذكّر أن الحكم ليس غاية بحد ذاته، بل مسؤولية تجاه أكثر الناس ضعفًا.

إن استمرار هذا الإهمال ليس فشلًا إداريًا فقط، بل إدانة أخلاقية ستبقى شاهدة، مهما تغيّرت العناوين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى